فخر الدين الرازي
78
المطالب العالية من العلم الإلهي
الثالث : إن وقائع ملوك العجم على عظمتهم ، بقيت مندرسة غير مذكورة ، والوقائع التي وقعت في زمان عاد وثمود اندرست ، وبعض وقائع نوح عليه السلام وغيره قد بقي . فيثبت : أن الوقائع العظيمة قد تصير مندرسة ، وقد تصير باقية ، وأنه لا يجوز الجزم بأحد الحكمين [ قطعا « 1 » ] . وأما قوله : إن اللّه تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على شخص آخر ، فنقول : فهذا من أعظم القوادح في التواتر . لأنكم لما جوزتم هذا المعنى . فلعل الشخص الذي يعتقد فيه أن محمد ما كان محمدا ، بل كان شخصا آخر ، ألقى اللّه تعالى عليه صورته ومشابهته ، وكذلك القول في جميع أحوال الخلق . وذلك يوجب السفسطة . وأما قوله : « زردشت » « 2 » كان قائلا بإثبات الإلهين فيمتنع ظهور المعجزات عليه . فنقول : هذا الكلام يقوي ما ذكرناه من السؤال ، وذلك لأن « إيران شهر » الذي هو واسطة ممالك العالم ، وأشرف بقاع الدنيا . كلهم كانوا على دين « زردشت » قريبا من ألف ومائتي سنة . وكلهم كانوا ينقلون عنه المعجزات الظاهرة القاهرة . ثم إنكم أقمتم دليلا قطعيا على أنهم كانوا كاذبين في تلك الروايات . فإنكم قلتم : إنه كان كافرا . والكافر يمتنع ظهور المعجزات على يده ، فصار هذا برهانا جليا في أن تلك الأخبار المتواترة كانت كاذبة باطلة . ونحن ما سعينا إلا لبيان أن خبر التواتر [ قد يكون باطلا فاسدا . وعلى هذا التقدير ، فالاعتماد على مجرد خبر التواتر « 3 » ] لا يفيد العلم واليقين . فهذا تقرير هذه الشبهة من هذا الوجه . وهاهنا وجوه كثيرة ، سوى ما ذكرناه في ضعف التواتر « 4 » ذكرناها في كتاب
--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) أردشير ( ت ) . ( 3 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 4 ) أنظر ما كتبه ابن حزم في ضعف التواتر في كتاب الفصل .